التشكيل بين الفكر والجمال في لوّحات الفنان حميد العطـــار

جاسم عاصي

ناقد عراقي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

رؤيــة عامــّة/
الفنان (حميد العطار) أدرك الفن بفطرته, بمعنى كانت دوافعه طبقية خفية، لأنه تعامل مع المشاهد من باب الإحساس الفكري للوجود, ولعل مهنته كمحامي وضعته في صلب الرسالة الاجتماعية، وبالتالي في مركز اهتمامه بهموم الآخرين ودوافع اهتماماته السياسية, ساعده في ذلك احتكاكه بجيل الرواد وتتلمذه على يد الفنان القدير(عطا صبري) وزامل فناني جيله، مما أكسبه مهارة أدت به إلى الاختيار لأسلوبه في الرسم, إذ بدأ برسم ما يُشاهده ويحيطه في الحياة اليومية كالأسواق والمحلات الشعبية والطبيعة بسحرها, وكانت تخطيطاته لترجمة ملحمة (جلجامش) للعلامة (طه باقر) خير فرصة لتمثل حضارة عريقة، منحت مخيلته آفاق في عكس ما يدور في الملحمة من أحداث وتطور البنى الفكرية، ووضعته ضمن حقل النحت وبصرته, ببنية الصراعات الدائرة في حاضرة (أُوروك)، بما قرّبته تخطيطاته لمشاهدها من النهج الذي اتبعه في مراحل متقدمة من حياته الفنية، أي الغى التفاصيل في اللوّحة والاكتفاء بالعلامات المعبّرة عن الظواهر, كل تلك الممارسات منحته فكراً معتدلاً ورصيناً وثابتاً لازمه حتى رحيله، كذلك أكسبته التجربة والاطلاع إلى حيازة رؤى نقدية في الفن، هي خلاصة تجربته في الحياة خاصة والوجود بعامة.
أما في حقل الفن فلا نراه يتوارى خلال لوّحته، إلا خلف دالّــة فكرية واضحة وذات تأثير مباشر على التفاصيل .فهو يأخذ به كمتن جدلي يُحرّك عبره الأجزاء المتظافرة مع الكليات, وما التركيز على الإنسان ضمن حالات ــ الرُعب والانتهاك الجسدي، كذلك التقارب بين فن الرسم وفن النحت ــ ،سوى العمل على تجسيد الملامح المتروكة قسراً على الجسد, ولعل هذا تطلب من الفنان تعدد الحالات الدالّة على تعدد وتعاقب الأزمنة, وكأنه يقول بخفاء وعلن: حدث هذا ويحدث وسوف يحدث في كل الأزمنة ما زال الخلل مستشري في الحياة السياسية والاجتماعية، وما زالت قاعدة الحياة هشة وقانون التحكم بالوجود والإنسان يرتكز على الأخذ والاستلاب دون العطاء الايجابي, إن النُدب المتروكة على الجسد سمة فنية تمنح المتلقي عوالم تتصل بجدلية الوجود والانتهاك، لأنها دالّة على وحشية التعامل, لعل البنية الاجتماعية والسياسية السبب الرئيسي لذلك. كما وأن توظيف الألوان التي تميل إلى الحرق والتعتيق يعني بها شدة التأثيرات الاجتماعية والسياسية مركزها حصراً .
رؤية خاصّة/
السمة الظاهرة على لوّحات الفنان ؛ كوّنها خضعت للمحرك الأساس الذي يشكّل المقياس الفكري لبنية العقل الفني . لذا نرى في ما أنتجه الفنان علاقة جدلية بين ما يعتقد أنه الأساس لتشكله المعرفي الذي يفيض على مكوّنه الوجودي. إن لوّحاته ذات محمولات تُشير إلى معالجات الأنثروبولوجي ،حيث تأخذ بنظر الاعتبار المؤثرات الطبقية والتسلط الاجتماعي والسياسي ،خاصة في ما يهم المرأة .فلوّحته تتشكل من طبقات . بمعنى سرديات متواصلة ،تتمركز فيها الطبقة أو الحيّز على السطح ضمن تشكّل ذاتي ،أي تسرد ما يدور من رؤى وحالات .ثم أن هذه المحتويات تتصل مع وجود طبقة أُخرى ،لتشكل بانوراما . فالجورونيكا مثلاً اعتمدت على مجموعة علامات ،دالة على معاني متعددة . و(العطار) يعمد إلى توظيف الحراك المتعدد ضمن هذه الطبقات ليمنحنا معاني مختلفة، لكنها على تقارب، بسبب اتكاءها على بنية فكرية موّحدة ومركزية .فهو فنان منتمي للخاص والعام .كما هي سيرته وعطاؤه الفني .كما وانه يميل إلى توظيف الرموز الأُسطورية، بما تملي عليه بنيته الفكرية .فالسياق والمتن التاريخي محتشد بالرموز والعلامات التي من شأنها بلورت معنى معيّن يتخفى وراء القناع . وهذا لم يكن بمثابة صياغة لأجل الهروب من سلطة الرقيب فحسب ،بل أنه علامة تُغني النص بمختلف توجهاته .والفنان مارس مثل هذا التوظيف خارج بلده، حيث تتوفر مساحة الحرية الفكرية والإبداعية. فهو لا يخضع نتاجه سوى لسلطة الإبداع والعمل على تحقيق ما يُفكر به ويعتقد انه مؤشر حسّي ووجداني .
إنه يعبر بلوّحته عن مفارقات الوجود الاجتماعي والسياسي خارج إطار التفاصيل ، حيث يعتمد العلامات المتروكة على الجسد جرّاء الجور في الوجود ،ويروي تاريخ دوّن التفاصيل .كما هي إشارات السجن والقيّد .فثنائية البراءة والوحشية متجسدة في معظم نماذجه، لأنها أساساً تتناول هذه البنيات المتعددة. إن اعتماده على الاشارات دفعته إلى اعتبارها أبجدية سردية في اللوّحة ،فقد استفاد من فعل تخطيطاته لملحمة جلجامش ،لأنها أضافت له رؤى واسعة بعد الاطلاع على محتواها، ومنه الفكري والاجتماعي والديني .إذ كانت تخطيطاته تعبيرية تؤكد فعل الاشارة بالخط دون التفاصيل . أي أنها تفاصيل ذات بنية إشارية. أما في مجال وجود المرأة ، فقد عالج أنوثة الجسد بكل وقار ،فاهتم بالبنية المشكلة للجسد ، والتأثيرات الخارجة عنه . حيث وضعنا ضمن دائرة الصراع الاجتماعي حصراً . كذلك عالج ثنائية الوجود الأزلي(الذكورة ( الأُنوثة)والعلاقات القائمة على التعادل والتوازي.
تطبيقات على حمولات النص/
ما نعنيه هنا دراسة المجال الحيوي الذي أشّرنا إليه في ما تقدم من رؤى للوّحات .فالتفاصيل التي حملتها اللوّحات واعتبرتها من أُسس بنيتها الفنية تتطلب التأني في فحصها ،لأنها نتاج عقل فني برع في الرسم ،فقدم الكثير المشير للإبداع والتعامل مع الطبيعة وتفاصيل الحياة اليومية العراقية ،لأنه ينتمي إليها وفق منظومته الفكرية وثقافته المتطورة ومعرفته للنفس البشرية والوجود المادي والمعنوي للحياة. ومن هذه التوجهات :
ـــ توظيفه للألوان متأتي من قدرته على مزجها بكفاءة وتقدير نِسَبْ ، فهو لا يعتمد اللوّن مباشرة ،أو كما هو في تشكله، وإنما يستخلص من مجموع الألوان لوناً يؤكد على قدرته على التعبير الحيوي عما يفكر به ويراه في الواقع. فهو كفنان يجد في حراك الواقع سبيلاً مختلفاً عن الآخر . وهذا أمر طبيعي محدد بنظرته الخاصّة التي لا تنفصل عن العامّة إلا بالتفاصيل . فكيف يكون التوظيف إن لم يُحقق الرؤية الذاتية ،لأنها الوسيلة الخالقة للأُسلوب الفني . فهو دؤوب لخلق توجهه الفني شانه شأن من سبقوه ،مسايراً التجدد والتبدل والمتغيّر كما هو النهر بمائه وجريانه. ألوان الفنان هادئة نسبياً ،لكنها شديدة الحرص على التعبير عن الظواهر ،بل عن الإنسان حصراً . وما اختياره لطبقات اللوّحة الواحدة ،إلا لتوسيع مساحة تعبيرها .وكما ذكرنا في أنها تستقل لتعبّر عن ذات معنية . وبالتالي ترتبط بما يجاورها عمودياً أو أُفقياً. فهي وحدات سردية بصرية .كل ذلك مدعاة لخلق سردية تتناول التفاصيل بعيّنات حيوية لتعبّر عن ظاهرة معيّنة. ذلك لأن الأجزاء ذات حركة معبّرة عن ظاهرة عامّة أوهي جزئية لظاهرة مركزية ،كما هي جزئية معالجة الجسد الأُنثوي .ويدخل هذا في الأُطر التي يوظفها لعكس المحتوى ، وهي أُطر تميل إلى السواد .للوّحة ذاكرة مقسمة على سرديات متعددة، ونماذجه تتفاعل في وجودهم الزحمة والتمثّل لما جرى للإنسان وهو حبيس التسلط المتشعب المصادر والذي يحمّله طاقة تفوق التحمّل .فلوّحاته بمثابة مدونة لا تنقطع فيها الصوّر .
إن الدخول إلى عوالم اللوّحات يستدعي التفصيل ،ذلك لأن كل لوّحة تنطوي على ظواهر من ظاهرة مركزية ،هي مصادرة وجود الجسد وإيذائه حد الانتهاك . ولعل هذا الضرب من الاهتمام نابع من تاريخ قريب وبعيد ،والفنان شكّل جزء من هذا التاريخ ، لما يحمله من أسس المواطنة الحقة. لذا نقرأ المحتوى على الصورة أدناه ،لكي نلّم بالتفاصيل :
الانكفاء ولاستسلام /
يستقبل الجسد تأثيرات القوة المسلطة خارج الإرادة فالفرح الذي عليه الطفولة والأنوثة لا يدوم لأن الكف الضاربة لا ترحم.، كما وأن الاحتماء للجسد من ضيق المكان وغموض مصادر الضرب ،حيث تشتعل أجزاؤه ،مما يخلق دموية المحتوى. فالجسد بلا رأس . والراس مرمي عند القدمين .هذه العلامات تعطينا بنى سردية ،تميل إلى حيوية الإشارة . ولعل الأُطر التي شكّلت ضاغط على كل الجوانب لمقاطع اللوّحة ،توحي بالتسلط الخارجي الذي ينظّم المحاصرة .إن الفنان في هذا الضرب من التعبير أكد على حراك محتوى وحدات اللوّحة . فهي ليست صناديق مقفلة فحسب ،بل أنها تُسهم في بلورت المعنى المراد عكسه على السطح. وفي نفس السياق في لوّحة أُخرى ،نجد الحيّز يضيق على النموذج ، والاستسلام واضح عليه . وهي امرأة أوكلت مصيرها للقدر .فالضيق دليل المحاصرة التي تتبناها الأعراف والتقاليد، حد مسخ ومحو الشخصية الأُنثوية. يقترب النموذج من شخوص الفنان(عطا صبري) في توجسها واستسلامها .في لوّحة أخرى تنقسم إلى وحدتين فنيتين تعكسان ما يقترب كثيراً عن سابقتها . لكن التفاصيل تبدو أكثر ايغالاً في عكس المعنى .الأسفل يضم جسدين يحتميان ببعض ، يدرأ أحدهم الخطر عن الذي بين يديه ،بينما الأعلى يحتوي على رأس منشطر وقامات وحراك فيه غموض. إن كل هذه العلامات توقظ فينا الاحتجاج لما في اللوّحة من صوّر البؤس الذي يعاني منه الإنسان مكبلاً بالسلطة الجائرة .،أو أنه نتيجة حتمية لغياب العدالة في المجتمع. الفنان قدم عيّنات لوحته بألوان مزيج ، نارية وسواد واخضرار مقتول ، أما بياض الأجساد فهو يقرّب المحتوى من فن النحت.، لاسيّما انكسار الخطوط ، وكثرة الزوايا والتقعر .
الفنان يحاول قدر ما تفرضه الظواهر من ضغوط أن يوّظف كل ما من شأنه بلوّرت المشهد عبر تشكيلات سردية تعمل على وضع هذه المفردات التي تم تسميتها بالطبقات السردية في ن تلّم محتواها ضمن سردية واحدة . فالسجين المتشبث بحديد المقبض ، يتخيّل الأقرب إليه وهي الأُم تؤدي طقس الدعاء له بالفرج .أو مشهد الرجل الذي يؤازر المرأة الملتفة برداء أزرق ،والنوم كالميّت على فراش أبيض .هذه التفاصيل المقتضبة على شكل علامات كوّنت معمار اللوّحة وبنائها الموضوعي .كما وأنه يخلق من الدائرة رحماً للاحتماء ،محاطة بألوان ساطعة وفائضة .وهو نوع نت محتشد لوّني يؤشر وضوح البنية الفكرية في كيفية معالجة ما يجري بروح الفن وعلاماته المنتقاة من سياق فني ، تجتمع عنده المقدرة على اختيار الألوان ، ومزجها كي تعبّر عن ليس الأمكنة وطبيعتها، وإنما تعكس البنية النفسية التي عليها النماذج .وبالتالي تروي ما جرى وما أصاب الواقع من دمار جرّاء قوة تمكّنت من تشويه الحياة العراقية .ثمة حرص على صناعة للوّن لا يقل عن اختيار الموضوعات المحتشدة في اللوّحة الواحدة. فهي كما ذكرنا توصيفات سردية تستعير السرد وتحويله إلى سرد تشكيلي يتمثل الظواهر بفنية عالية. إن اللوّحات تصلح تماماً لعقد بانوراما كنصب الحرية الذي تتشكل من مجموعة وحدات معبرة عن تاريخ . فالرواد الذين تأثر بهم (العطار) وهو واحد منهم ،عمل على اختيار الصيغة البانوراما للوّحاته ، بالرغم من استقلالية كل لوّحة بذاتها ، وكذلك الطبقة الواحدة على انفراد .إن ما فعله الفنان هو دراسة تاريخ البلد وعكسه بفنية وجمالية راقية. إن لوّحاته تجد لها حيّزاً مناسباً في تاريخ الفن العراقي، لاسيّما ما تركه الرواد كـ( منعم فرات ،جواد سليم ، عطا صبري ، اسماعيل الشيخلي ) مثلاً .
مقاومــة الجسد/
المقاومة في المجال الحيوي ؛صد ما يؤثر على الجسد من الأذى . وهي ردود فعل لفعل خارج إرادة الإنسان ، كما هي في لوّحات الفنان. أما في المجال الحيوي الفني ، فهي تجسيد للفعل بكل ما يمتلكه الفنان من قدرات فنية ،مستعيناً بأدواته. ولعل المتحكم بهذه الوسائل في التعبير هو العقل الفني الذي يختار الصيّغ والزوايا الأكثر تعبيراً . والفنان(العطار) متمسك في أن تكون أساليب تعبيره أكثر تماسّاً بالظاهرة . فهو يحتكم إلى مكوّنه الفني ، وتوسلاً بمخيلته الفنية التي تفتح له آفاقاً واسعة كما نرى في تناسب التشكلات مع الموضوع المعالج على السطح. فليس ثمة غرائبية وابتعاد بالألوان عن البنية الأساسية في اللوّحة. فالسجين المسلوب الإرادة لا يحلم سوى بمن يقف معه في الخارج ، فيتخيّل الأُم ولوّعة المقربين. وهو مشهد من مجموع المشاهد التي بلغتها الظواهر الاجتماعية والسياسية ضمن تاريخ البلد . فالفنان حمل ذاكرة تحتشد فيها الصوّر عن المفارقات والضغوط والمصادرات للوجود ، ولم ينفك عن التماس معها رغم الابتعاد في أرض المهجر. وارتباطه الفكري بالأرض(الوطن) نتيجة حتمية تربوية ،حصّلت نتيجة دراستها عن حيّز واسع فيعالم الفن . فهو كفنان وظف اللوّن لصالح تصفيف شواهد ذاكرته ،للمساهمة في تدوين تاريخ بلده على شكل صب في عمق دلالات اللوّحات أولاً، وتأنياً في اختياراته المتسببة من مخيّلة محتشدة بالصوّر . أرى أن لوّحات الفنان ستبقى خالدة ، طالما عمل بجدية مبدئية خالصة. الاحظ على السجين متمثلاً إياه وهو يرفع الحيف ليس عن نفسه وجسده، بل كظاهرة يرفعه عن الجميع القابع تحت سطوة الأزمنة المرّة. إن ذاكرة الفنان اختزنت حيّزاً من تاريخ البلد فعبّر عنه ، بمواكبته في المهجر ، وشكّل لديه ضاغطاً .صحيح أن السجين مكبّل اليدين والساقين، لكنه عزل رأسه ضمن محيط حافظ ، يمثل الاصرار على ما يحتويه . وكأنه يقول خذوا جسدي واتركوا رأسي .فالجسد في اللوّحة يبدو قوياً، لأنه يحتفظ بمحتوى ومتن العقل والذاكرة المرتبطين بالوطن ..إن اللوّحة منحوتة مرسومة على سطح .هكذا تكون لوّحاته ، التي زاوجت بين النحت والرسم .في لوّحة أخرى يظهر فيها الجسد مقاوماً ،عار ،يصد الضربات عن رأسه المغيّب بإرادته ،الجسد أُنثوي يحكي طبيعة النمط الاجتماعي المتسلط، الذي هو ناتج سياسي مشوّه .كما أن المشهد في اللوّحة يقول ما يُصيب الرجل يكون مجاله في عالم المرأة. فكلاهما تحت سطوة الجلاد .إن اختياراته اللوّنية تثير وتزيد من حركة الجسد، بما تشبعه من ثراء الألوان وميلها للمزج والتعتيق.
الجسد الأُنثوي/
تناول هذا الجانب في لوّحات الفنان ،ليس من باب تعدد المحاور في أعماله، بقدر ما شكل الجسد الأنثوي استثناء في التناول والدلالة. فالجسد المعني في اللوّحات لا يكشف عن فتنة وهو كذلك ــ لما للجسد من جمال ولياقة ــ ؛وإنما ظهوره مركزاً يعني توجيه الانتباه إلى حالاته وظواهر تأثيرات الخارج عليه. بمعنى أنه تحت طائلة ضغوط تتعدد مصادرها ،غير أنها تمنحنا صياغات تكشف عن جسد يحاول التخلص من آثار الضغط .أي أنه لا يستسلم أو تضعف إرادته . وما التعري وكشف المستور إلا عودة إلى أُسطورة الخلق الأولى ،حين كان الجسد الأُنثوي(حوّاء) بكامل هيبته الجمالية والمعرفية ،مما دفع (آدم) من التعلق به ،لا لشيء سوى النهل من الجانب المعرفي المغيّر للوجود. إنه كشف مزيج من الإغواء وسحر المعرفة ومساحة الرؤى ؛ أي التكاثر وبناء الحياة من جديد. من هذا نرى في لوّحات (لعطار)مرمى من هذا النوع . هذا المرمى والكشف متعلق بتأثير الظواهر كضاغط يخلق صراعاً يقف الجسد كرادع له ،ومقاوم دون أن تظهر عليه سمات الخضوع للأقوى. والدليل على هذا صورة الامتلاء والاكتناز والجمالية المثيرة لمشاعر الاعتزاز وليس إثارة الشهوة الجنسية . الجسد يقدم درساً معرفياً ،كما هو في رواية(عشيق الليدي تشارتلي) لـ (د.هـ لورنس)ولقاء الحارس المزرعة بالسيّدة المنتمية إلى عائلة ارستوقراطية. ولنحاول الاقتراب من هذا التخريج بالعيّنات . ففي لوّحة ضمت مقطعين؛ الأعلى لفتاتين بأثواب زاهية ، بينما الأسفل لجسد أنثوي عاري ، يحمل الأعلى بقوة .أي أنه يدفع للتوازن وحماية الوجود الأنثوي الممثل بالصبيتين وهما تستقبلان الحياة .وأيضاً يؤكد الفنان على الرأس كمركز بابتعاده عن مركز التأثير السالب. في لوّحة أُخرى يظهر رأس المرأة معلقاً على لائحة الانتظار كامل بجماليته وأناقته ،إذ يظهر مقتدراً متحدياً بالرغم من تأثير علامات القهر .في لوّحة تتجسد صورة الجسد على تداخل وزحمة تحت طائلة ضغط الذكورة لمتسلطة. الأجساد على وضعيات متباينة ونظرات وتطلعات مختلفة، دالة على اشتباك نوايا وأُمومة طافحة. ويبقى الالتفاف بين الأجساد كوحدة بين الإناث لتشكيل موقف .ثمة تباهي بجمال الجسد، وتجسيد الفتنة رامية إلى الاعتزاز والتشبث بالوجود الأنثوي . فالامتلاء دليل القوة . إذ لا نعثر على جسد مستلب ضعيف وهزيل ، بل أنه يمتلك الإرادة في المقاومة. فالمدرات(الأثداء) دليل العطاء والخصب .فلا نجد ما يُلغي أنوثة وأٌمومة المدرات، فهي العلامة الفارقة للجسد الأُنثوي في اللوّحات. وليس الجسد الذكوري سوى الاحتماء بالجسد الأُنثوي الذي يبدو مشعاً ومبتهجاً تحت طائلة شعر رأس كشعاع الشمس والقمر .إن الأُنوثة تفيض على ما حوّلها بعطاء دائم. هذا ما تؤكده لوّحات الفنان، وهو ينحاز إلى عالم الأنوثة بقوة إرادة وثقة بالجسد الذكوري المتعادل.
رموز وحالات/
في هذا الحقل من الممارسة، احتفى الفنان بمجموعة من الظواهر والحالات اليومية والرموز المعتقة. كما هي أُسطورة الغراب التي انفتحت كأُسطورة إزاء فعل الموت ودفن الأخ القتيل . فكما وارى الغراب جسداً من صنفه كنقل ودرس للتجربة ، عمل الأخ ليُعيد فعل الغراب . ومنذ تلك الحكاية الأزلية كان الغراب نذير شؤم في الشرق . وربما رمز تفاؤل في بقاع أُخرى . ما يهمنا ويهم الفنان ؛أنه نذير للحرب والقسوة والتنبؤ بحدوث كارثة ، يكون ضحيتها الإنسان في كل الأحوال. لقد قدمت البشرية قرابينها مذ كانت القرابين بشرية وغلة وحيوانات بكرية الولادة ، حتى تطوّرت وأصبحت ضمن طقوس العبادات والتقدمات للرب للشفاعة والتوسل وأداء الديّن. والفنان(العطار) يضع الغراب موضع النذير في لوّحته . فالذي يصاحب نعيقه سقوط وابل المطر الناري من السماء ، وتجسيد علامات الكارثة فهو طائر متربع على الوجود المتمثل بالكرة الحاوية على إنسان سجين داخلها .لعب مزج الألوان دوراً في تجسيد مثل هذه الظواهر . كذلك النسر والقط والتفاحة في لوّحة أُخرى .هذه الرموز استعيرت للتعبير رمزياً عن هلاك البشرية تحت طائلة التسلط الطبقي والفئوي الذي مرت به البلاد ، وبقيت الصوّر هذه ماثلة في ذاكرة الفنان ، حملها معه لتكون زاد أعماله طيلة مكوثه في أرض المهجر.
إن تجسيد الموت في لوّحاته متأتي من جملة ظواهر . فهو كفنان يمتلك عبارة فكرية قادته باتجاه التزام متواصل لوطنه وشعبه . وهو أيضاً اختار الخطى التي تحقق هويته الفنية . فخروجه من جلباب (عطا صبري) وبقية الرواد منحه فرصة كبيرة لتأسيس رؤى قادرة على وضع منهج تأسيسي للوّحته . هذا الاختيار ألحقه بمثابرة واضحة على تصميم لوّحاته ،حيث صمم النمط الذي أُحيط بحرية التعبير المتعددة المستويات ، من أجل الإحاطة بمتنه الموّجه لأعماله . فالتزامه الفني منغمس بالحرية في الاختيار .إن نتاجه واختياراته قد انصبّت على عمق وعيه للوّن ، ثم قدرته على تكييفه لصالح عكس ما يراه ويحمله من صوّر مؤجلة. والذي نعني به الذاكرة ،التي بازدحام مكوّناتها خلقت لديه فنياً دائرة تحقيق بانوراما نفذت محتويات دائرة معارفه وتجربته المريرة في الوطن .إن المزج بين التشكيل والنحت ، يرشح لوّحاته إلى مجال تنفيذها على شكل بانوراما ،أنها اعتمدت السردية التشكيلية أُسلوباً لها . ولعل تعتيق الألوان بما يقترب من الحرق ،عكس نمطه االتراثي . وقد لاحظنا مثل هذا وهو ينفذ تخطيطات كتاب ملحمة(جلجامش)ترجمة العلامة (طه باقر)حيث سارت على نمط سردي، ترك أثره على أُسلوبه في الرسم. إنها تجربة فريدة خاضها الفنان لتكون علامة فارقة في أعماله. ونعني بها السردية التشكيلية البانورامية.