حميد العطار..الرسم نفاذ الى عمق المأساة

د. جواد الزيدي

ناقد عراقي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

       يتخذ الفنان حميد العطار من مآسي الوطن وأحزانه أساسا في جميع اشتغالاته، تتمثل في هواجس دائمة التحفيز للتعامل مع الواقعة الخارجية في العمل الفني الابداعي ، محاولا تخطي فكرة التجنيس والأحادسية المدرسية الى خطاب بصري تنضوي تحت عباءته كل هذه الأجناس . فتصبح لوحته عبارة عن أشكال تتخذ طابع النحت ، ولكنها تقتحم خصائص الرسموية عندما تعالج بتقنيات الرسم وخاماته مع توافرها على  مواصفات أنماط فنية أخرى ، بمعنى أنه لا يتقيد بحدود الجنس الفني أو المنهج المدرسي في التعبير عن الواقعة ويترك تلك التقديرات للحظتها الراهنة التي تمثل صدق التعبير عن ذلك الموضوع ، فينفذ أعمالا نحتية على سطح تصويري ويرسم في عمق هذه النتوءات البارزة وجوهه في نوافذ متناهية الصغر ترقب عالمنا الذي نحياه ونعيش خصوماته المستمرة . حيث تنفتح أحاديثه على القيم الرمزية التي تحتم الذهاب الى مسارات التأويل بما ينشده الفنان وتفرضها صيغ التعبير على ذات المتلقي في ضوء الغاء صورة الجسد حين تتقد البنية التصويرية بفعل انسحابها خارج مساحة التقاطنا البصري لثباتها .

   وليس تمة غرابة من انتخاب العطار موضوعات المآسي والآلام  عن تصوراته الأولى التي عرف بها واصطبغت بها تجربته الفنية ، منذ تلمسه تطلعات الناس البسطاء وآمالهم وخيباتهم عندما بدأ برسم المحلات الشعبية والأسواق مع تصوير الطبيعة ومساراتها المختلفة بما يقترن بموضوعها المعلن والتعبير المباشر ، فضلا عن ارتداداته المبكرة الى التعالق مع اسئلة الخلق الجوهرية التي تحيط بنا ، فرصدت أعماله موضوعة الخلق الأول واسطورة كلكامش والتعامل معها بوصفها صيغة من صيغ التأمل الأولى والتماهي مع الأسئلة الوجودية الكبرى ، واعتماد تقنيات خاصة ومتنوعة للتصوير يقترب فيها من التمثيل الحي لتلك الأفكار ، فيلجأ الى عجائن خاصة يستقدمها في التنفيذ يتحقق عندها اسلوبا خاصا  تتسم به تجربته بمختلف تمرحلاتها الزمنية والاسلوبية ، وقد كان لإصطفاء اللون المعتم وتصوير المنحى الدرامي في العمل الفني مراميه الخاصة والمساهمة ببث مضمون ما تقترحه العيون والوجوه الراسخة في ظلمة الواقع ، الا أن التضمينات الخارجية المحيطة بتلك الوجوه والعيون ستمتلك خشونة ملامسها وتتصف ببنية سردية تفرغ حمولتها الرمزية والتأريخية داخل البنية التصورية للمتلقي انطلاقا من التأويل الرمزي لمحتوى اللوحة وربطها بمرجعها الخارجي وسط استرجاع اثر الحروب على ملامح الذات العراقية المحاصرة بقسوة الخارج الموضوعي وعتمة التحديات التي تخفي بقدرتها الجسد الذي كان محط اهتمام فنون اخرى اقيمت على فكرة الجسد ، بوصفه علاقة اتصال بالعالم الخارجي ومن خلاله تتشكل مجموعة العلاقات في هذا العالم أو في ضوء العلاقة بالموجودات المحيطة بنا .

     ولهذا حاول الإفادة من الاستعارة بوصفها مفهوما فكريا يصلح للتعامل التقني يمكن من خلاله استدراج ما هو خارج الجنس الفني الى داخله وتكييفه ضمن فضاء الاشتغال الجمالي ، يتحرك ضمن مداخيل قديمة متجددة فيذهب على وفق هذا المبدأ الاستعاري الى الفنون العراقية القديمة بمحمولاتها الدلالية او الى بعض رموزها مثل الشمس السومرية ثمانية الرؤوس وقرون الثور وكائنات اسطورية تحتفظ بحضورها داخل الفكر العراقي القديم ، كما أنه لا يتجاوز تصوراته للكائنات الهجينة ليلتحم معها على صعيد التعامل المنطقي كمسوغ لفضح ثنائية الازدواج الخصائصي المجتمعة في الكائن الواحد بما يواءم فيه بين الكائن البشري والاسطوري وتأسيس بنية صورية مكتملة المعنى في لحظة انقضاض البشري  على الكائن الاسطوري ، يتمثل ذلك بطريقة نحتية قائمة على ابراز الأشكال والتكوينات والكتل ضمن فضاء أسود يحيط بهما فضاء أصغر تتخلله الشمس .

       يعمل العطار على تثوير الصلة بين الثنائيات المتقابلة والمتعارضة في الوقت نفسه وأدراك هذا المعنى الناتج عنها (الحضور والغياب ، الالغاء والاعتراف أو الحذف والاضافة) وكل ما يجعل ايقاع توزيع نوافذ الحرب على السطح التصويري يحتوي قيما حسية تتحدث عن الموت وتتحرى أصوله بتركيبتها المقسمة الى مستويات عدة والتي ينظر اليها من مواقع متعددة وهي تواصل الجريان كتدفق مياه الأنهار في واقعها الفعلي ، ما يضاعف موقع الحلم الذي يتحكم برؤية العطار النهائية لمصير شخوصه في غيابهم وحضورهم وكل ما يجعل تحليل خطابه البصري ينقاد باتجاه الدعوة للخروج من المأساة الباطنة في احداث التأريخ الى حضور الذات الذي يرغب أن تحقق تفاعلا وتواصلا في التحديق الى أعماقها ، بوصفها أعماق العمل الفني الداعي للتحرر في أول مستويات طرحه والداعي أيضا الى الحلم ، بوصفه استراتيجية للانعتاق ومرجعية بشرية يحملها اللاهوت والاسطورة والماورائيات التي تحقق معنى الصورة التي ينتجها . ينطلق من فعل القسوة على ذاته أو التي يشعر بها كدافع في تجسيد الألم وتصوير عويل الآلام المتأتية من اسلافه السومريين وهم يفتحون عيونهم الى أقصاها حتى تكاد تستدير وهي تبث سلطتها على المخيلة وكأن جملة واضحة عن الحقيقة ستنطلق من بين أهدابها . فأضحت صورته تشبه المسلات العراقية القديمة التي تحتوي مشهدين أو ثلاثة كأنها مشاهد من النحت البارز تعكس طبيعة الأهمية أو فعل السلطة عبر تمرحلاتها أو تدرجاتها ، قسوة الأب في أسفل المشهد وهو يحمل رأس الثور بقرنين بيضاويين والأم عارية ستمثل أفريز وسطي فاصل بين مشهدي الأب والأطفال العراة في أعلى التكوين وهم يحيطون صدورهم بأيديهم ويقبضون علىى مفاتن الجسد الانساني الطفولي .

     وقد تدفعه صيغ الحياة وازدواج بنياتها الى عدم اغفال صورة المرأة في مجمل تجسيداته الجمالية ، فيرسم نساء عاريات يحملن عثوق التمر وواحدة أخرى منهن  تستلقي على الأرض وتحتضن طفليها على ذراعيها في حين تعلق صورة الشواخص الذكورية  على جدران المكان ، ينطلق من فكرة الخصوبة أو الفحولة المهيمنة على حياة النسوة وصور شجر النخيل ودلالتها  والاشارة الى شجرة الحياة الموحية بالعتق من خلال ألوان الأوكسيد المائلة للخضرة أو الوردية الفاتحة التي تعلن تماثلاتها الانسانية ، لا فرق بين هذا التمثيل أو الذهاب الى استعارة تقانة الرسم أو العودة الى مناخات الفن الرافديني ليجعل لوحته أفاريز نحتية بالوانها البرونزية المؤكسدة تتداخل فيها صورة الأب على الجدار بملامحه الحادة والقاسية بصورة منحوتة لأمرأة في الأسفل تعلوها مجموعة أثداء وكأنها تصف الولادات الجديدة ضمن سلسلة تتابعية للمجايلة وتفعل فعلها في معادلة الحياة القائمة.ومن خلال استعارات اجناسية يهتدي بها الى الصيغ النحتية التي يصور فيها هيكل انساني في فضاء خارجي صحراوي قيدت اطرافه بسلاسل حديدية بلون يغطي الرأس أو يقطعه بالقرب من فتحة في الأرض تخرج منها جمجمة بشرية مقيدة بسلاسل تفسر دلاليا مستقبل الجسد الانساني . حيث لا تبعية للرأس والجسد وأنهما ينتميان الى ذلك الكائن ويشكلان وحدة موضوعية في المتناولات المضمونية . وهنا تتواصل طاقته المبدعة ضمن نطاق التبادلية القائمة  بين حضور الجسد وغيابه ، اذ يلتقط حدث بصري يضيفه الى سلسلة حواراته الفكرية مع الواقعة لكي تكتمل صورة المنطق الفكري الذي يسدد خطاه الجمالية ويرسم طريق المرامي ، فاذا كان القناع يغطي بعض الأحيان ملامح يتقصد باخفائها او حذفها من المشهد التصويري فأنه يمضي بلا شك خارج ما تقصده أدوات التلقي أن تحتفي به ، ويكسر أفق التوقعات السابقة عما يبدعه ، لكي يصبح ما ينجزه يحمل معنى صادقا في تجسيد المضامين الاجتماعية برؤاها الجمعية ، مهما كانت حاجتنا للتعبير المباشر الذي نتأمله في العمل الفني .

     يسعى العطار الى تقسيم لوحته الى أجزاء أو قطاعات تمثل كل منها موضوعات متقاطعة في الواقع المعيش وتلتقي عند سطحه التصويري،فالمستطيلات تحتوي على تقاطعات هندسية ترمز الى الغيبي والمجهول وارتباطه بالأرض من خلال الماضي الذي تمثله اللوحة المعلقة على الجدار لصور الأجداد في حين تحيا العائلة داخل مربع محصور وسط صورة فوتوغرافية يجتمع في فضائها الآباء والأبناء من خلال الأم الممثلة للمعنى الرمزي حين يتوحدان بأحتضان الأبناء والحفاظ عليهم ، على الرغم من صعوبة الأهوال والمصائر المجهولة التي تحيطها الألوان البنفسجية الفاتحة بما يشير في سياق الدلالة الى صورة العواصف المدمرة في الذاكرة الجمعية ومحمولات المجهول أو العالم الآخر الذي نحياه . صورة الأب المقاتل الذي عمد حياتنا باسباب البقاء لم يتبق منه الا هيكل عظمي بأسنان بارزة تلفه بزته العسكرية ويحيا على ذاكرة الأب والجد التي علقت صورته أيضا على حائط الذكرى نفسه وكأنها رسالة استمرار العهود وأسى المجهول العلوي الذي يخلفه على تعاقبية الأجيال .

      ينطلق من فكرة تمثيل آلام الناس وتطلعه الى مستقبل مختلف في ضو لجوءه الى احاطة أشكاله ومفرداته المرسومة بمربعات وأشكال هندسية   ، على الرغم من الأسى الذي ينبعث من النضال الانساني الجمعي ، فيرسم  باب أسود على هيئة محراب تثقبه رؤوس النسوة وهي محملة بالأسى وتطوقه الايماءة أو نظرات العيون الحزينة ويوحي بمحمولات الخارج من حوادث أليمة تديم النظر الى جهات كبرى ستكون حامية لمعنى الحرية والمدافعة عن وسائل العدالة المفقودة في ظل الحروب وأنظمة الاستلاب التي أحاطت الذات العراقية ، فأضحت لوحاته عبارة عن أفاريز نحتية ضبابية الألوان الممزوجة تقع بين الرصاصي والبنفسجي الفاتح، صورة رأس مقلوبة ومقسمة الاتجاه اشارة الى طبيعة الحياة نفسها أو الواقع المفترض أن نعيشه ونحياه . ورجل ممسك بطفليه ويحتضنهما ،بوصفه يحتضن المستقبل المجهول لا فرق أن يكون أمام بوابة الدار أو بوابة الحياة . ليتمكن في النهاية من صياغة منظومة علاماتية واضحة في لوحته المقسمة الى قواطع وكأنها قضبان سجن أثر الفعل السياسي والأنظمة المتعاقبة.