حوار مع الفنان العراقي حميد العطار

حوار مع الفنان العراقي حميد العطار

أستلهم طقوس لوحاتي من التراث

في هذا الحوار مع الفنان العراقي حميد العطار. كلام عن تأثير المنفى على النتاج الفني. وانعكاس الحرب على اعماله.

 ان الدخول الى اللوحة يتطلب” قابلية روحية” للأتحاد مابين الفنان و الجمهور .. هذا ماقاله احد  النقاد وهو يتحدث عن لوحات رامبرانت… برأيك كيف تتأسس هذه القابلية الروحية بين لوحتك والجمهور؟

كفنان تشكيلي لا احسب حساب الجمهور اثناء عملي. لان ذلك يؤثرسلبا على انتاجي الفني. وكوني انطلق من اللاوعي. من الداخل و من خلالها اجسد حالات داخل اللوحة . بعد مراجعتي لها. لا اعرف سر وجودها !! . اعتقد ان الفنان الذي يحسب حساب الجمهور ومزاجه. يعني انه يستحضر العقل, وحضوره يؤدي الى الوضوح السلبي في العمل الابداعي.

من الصعب مطالبة الفنان ان يعمل في ايطار مشاعر الجمهور لان هذه تتقاطع مع خصوصية الفنان. الذي اذا استبق نتاجه الابداعي مزاج و مفهوم الجمهور. يعني انه متطور ومتقدم وسوف يكون خالدا ومستمرا مع صعود الاجيال وتقدم البشرية.

تأسيس “القابلية الروحية”, بين اللوحة والجمهور من مسؤولية ومهمة النقاد- طبعا المقصود النقد المتخصص – الذين لابد ان يكونوا جسرا لتوصيل افكار و رؤيا الفنان للناس. و ان اختلاف وتباين منهاج واسلوب الناقد في تعريف سر اللون وكنه الفكرة. اي ماهي اللوحة في كل ابعادها و من ثم الغوص في جوانبها وتفكيك رموزها والتنقل واكتشاف خباياها. يعني بالضبط خلق القابلية الروحية بين اللوحة وجمهورها.

خلافا للتقليد

في رحلتك الطويلة في عالم الفن التشكيلي. مررت بتجارب متنوعة من جهه اسلوبك الفني و ادواته. اي انك تجرب باستمرار. ماذا يعني عندك التجريب؟

في فترة دراستي الجامعية شاركت في المعارض التي اقامها نادي المنصور- ببغداد, وكنت حينذاك ارسم الاسواق الشعبية الكربلائية بطقوسها الحسينية, وعلاقات الناس مع بعضهم. اشكالاتهم, همومهم اليومية, احزانهم السرمدية. بعد تجربتي هذه حاولت البحث عن اسلوب اخر يخصني, يميزني و اطرح من خلاله مفاهيم استحدثت عندي كفنان مع تطور تجربة الفن التشكيلي العراقي والعالمي. بعد رجوعي من المانيا الى الوطن, بدأت اسلوبا استنبطته من الآشوريين, كانوا يتسخدمونه – رليف – عبر الوان بسيطة و اطلعت ايضا على تجربة الفنان مارنيو ماريني الذي كان يلون تماثيله بألوان تتطابق مع طبيعة اعماله و دون اعطاء واضفاء اي خصوصية لها.

و تجربة الفنان براكس الذي كان يستعمل الرمل في اعماله, هي الاخرى وغيرها ساعدتني في اختيار اسلوبي الذي اشعر بسعادة كبيرة في اكتشافه و الذي صرت اعمل جاهدا من اجل تطويره لانه القريب الى نفسي.

بالاضافة الى متابعتي للمدارس و التيارات والتنويعات الفنيه, من الضروري ان يبحث الفنان ويجرب, لان هذا يفيده في توسيع مداركه و وعيه وتعميقهما. اذا لايمكن ان يتطور ويتجدد نتاج اي فنان و هو ملازم لمشغله, لايتطلع الى مايجري في الحياة وعالم الفن والثقافة.و لعلنا نعتبر بيكاسو المثل الاعلى في مسألة التجريب والبحث, فهذا الفنان حينما سئل في ايامه الاخيرة عن سر ابداعه قال: ” لحد اليوم لم اعمل شيئا مذهلا. والشيء الذي اتمناه لم يتحقق بعد و اكثر اعمالي لاترضيني, لانني احلم بصياغة الكون عبر رؤياي المجسدة غير المجردة”. هذا الكلام يؤكد بان العمل الفني يظل هاجسا يقلق الفنان الطموح المبدع. و لايدعه يركن للراحة و لو للحظة واحدة. لذا يبقى طول حياته باحثا ومجربا.

مع بدء اي عمل جديد احاول ان اكون خلافا للتقليد, يعني انني اجسد فكرة جديدة وضمن اسلوب اشعر ان يكون غير مكرر بالرغم من انني استلهم طقوسا من التراث فكرا وجمالا, كان بحثي عن كل جديد وحبي لكل تجريب نابعان من عشقي للتراث, الذي اعتبره مصدرا غنيا للابداع.

الى اين اهرب

الشاعر العراقي كاظم السماوي خاطبك مرة: ” رغم انك تغني وترقص وتقهقه حتى تدمع عيناك, لكني وحدي ادرك حزنك الجريح”. و مرة قلت: ” ان شعوري مذبوح من الوريد الى الوريد, و كثيرا ما اغمض عيني لئلا يتسرب الدم و انقل اوجاعي الى لوحاتي”, ماهو منبع حزنك الجريح الذي يتجلى في معظم لوحاتك؟

كوني مواطنا عشت اكثر الاحداث مرارة وحزنا من طفولتي, حيث عشتها عبر ظروف غير طبيعية الى شبابي حيث الاحداث السياسية المعقدة التي حالت دون تحقيق رغباتي وطموحاتي و من ثم الى الحرب المدمرة التي ابقت النزيف الدموي متدفقا من جسد الوطن شيء مرير.كل هذا الحزن الذي ورثته من اسلافي وصقلته الظروف الدامية التي عشتها, كيف انقذ نفسي من هذا الحزن والقدر. الى اين اهرب و هو يعايشني يوميا في نومي ويقظتي

انني عشت اكثر فترات حياتي بعيدا عن الوطن, بسبب مواقف سياسية و حبي للرحيل والتمرد على الاهل. لذا الغربة شحنت همومي بقدرة التواصل مع الحياة وعشق الوطن و ان كان الجرح لايدع للفرح مجالا للاقتراب من اعماقي التي تنزف دائما. شعورا مذبوحا من الوريد الى الوريد.

كيف ارسم الفرح في لوحاتي و وطني وشعبي يعيشان يوميا المذابح. و في كل البيوت العراقية مناحة, حيث ترتفع فوق سطوحها الاعلام السوداء, كيف ارسم لوحات بغير ان تكون ألوانها ومضامينها و حتى اساليبها سوداء. منبثقة من عمق محنة هذا الوطن الجميل. فبيكاسو حين رسم لوحته المشهورة” جرنيكا” كان بعيدا عن المدينة التي حلت بها الكارثة, لكنها اثرت به بصورة قاسية, لذا جسدها وخلد مآسيها. ونحن لابد لنا من “تأريخ” محنة وطننا بصدق ونبل و عبر اسلوب ابداعي متميز.

 هيمنة المدارس الغربية

الفن التشكيلي في العراق وسوريا هل لهما ملامح مشتركة نابعة من معطيات تاريخية متقاربة, و ماهي هذه الملامح الابداعية وفق معطيات معاصرة؟

الفن التشكيلي في العراق وسوريا ينبتان من جذور واحدة. من الفن الرافدي, الذي لم تحدد له مواصفات و ملامح واضحة. بالرغم من محاولات بعض الفنانين العراقيين التي سعت الى تطوير و تنضيج الرجوع الى التراث. الفن التشكيلي في العراق لم يسجل عبر تاريخه بروز اي مدرسة تشكيلية, بمعنى المدرسة, بل افرز كثيرا من الاساليب والاتجاهات والتيارات, مثل الجماعة الفنية وعلى رأسها الفنان حافظ الدروبي و”جماعة الرواد” اهمهم الفنان فائق حسن, و من ثم “جماعة الفن الحديث” و في مقدمتهم الفنان الخالد جواد سليم و جماعة الانطباعيين و اساليب اتخذها البعض من الفنانين كتوجهات خاصة بهم و ان كانت نتاجاتهم الأبداعية حاولت التخلص من تأثيرات المدارس والتيارات العالمية,  حيث خلق مبدعوها نتاجات عراقية تتجلى في تجسيد الواقع بلغة تشكيلية خلاقة والبعض الآخر – من المبدعين – كانوا يستلهمون من التراث ماهو جميل وقابل للتطورو الارتقاء. لم تزل نتاجات البعض من الفنانين التشكيليين السوريين التي شاهدتها, تهيمن عليها التقنيات و الافكار الانطباعية و السريالية و التكعيبية و غيرها من المدارس العالمية و لم تتمكن معظم هذه النتاجات من ترسيخ ملامح وسمات الفن الرافدي و ان كانت تعتمد على مادة التراث. فهي ليست اكثر من محاكاة صرفية دون أضافة او تجديد ويمكن القول بدون مبالغة: انها لم تحاول فهم واستيعاب التراث بشكل متميز و جاد.

اخاف من الفراغ!!

نفسك محاصرة, ظمآنة للحرية وفضاء لوحتك لا يستوعب عواصفها, جموحها, لذا لاتترك فراغا فيها, هل صحيح هذا الكلام؟

دائما تضيق اللوحة امام فيضان المشاعر و الافكار, الذي يموج في اعماقي. لذا التجيء الى توسيع مساحة لوحاتي. خاصة و انا اختار معظم موضوعات اعمالي من الحكايا و الملاحم والاساطير. بالأضافة الى شعوري بأن اللوحة الصغيرة لاتقدر على امتصاص هذا الفيض من هيجانات روحي الذي ينجرف عبر أطار ( حتى اللوحة الكبيرة) وينطلق كالسيول واضطر لذلك الى البحث عن مساحة اكبر لتجسيده. الفراغ جميل, لكنني اخافه. فنانون كبار يرسمون في حاشية اللوحة اجسادا بشرية, او تشكيلات لونية ويتركون بقية اللوحة. لان الفراغ يعني عندهم دلالات توحي و تؤشر الى واقع لايحكى عنه الا بالفراغ و الفنان فائق حسن يقول عنه:انه رنين مرسوم بالالوان. لكنني نعم اخاف الفراغ, لذا اخترقه و ازرع فيه جمجمة, يدا مقطوعة, شموس و ازهارا. حتى لايكون عبئا نفسيا علي, و بصراحة اعتبر الفراغ انذارا للفنان يفضحه, يعري هاجسه و هذا الشعور ربما لايشاركني فيه كل الفنانين, واخيرا –  اعتقد – بأن الفراغ ربما يجعل من اللوحة عملا اعلانيا.

اجرى الحوار

فاروق صبري

لجريدة السفير – العدد: 4786

بتاريخ: 9/10/ 1987

يمكن الاطلع على المقال على موقع ارشيف جريدة السفير
1987100910